الخطيب الشربيني
543
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أربعون سنة ، والمعنى : أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه . وقال الحسن رضي الله عنه : نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى هو أن أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة . وعن قتادة رضي الله عنه : الآخرة هي قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى والأولى تكذيبه لموسى عليه السلام . ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ أي : الأمر العظيم الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى لَعِبْرَةً أي : لعظة لِمَنْ يَخْشى أي : لمن يخاف الله تعالى لأنّ الخشية أساس الخير كما مرّت الإشارة إليه . ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 27 إلى 46 ] أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) أَ أَنْتُمْ أي : أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا أَشَدُّ خَلْقاً أي : أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم أَمِ السَّماءُ أي : فمن قدر على خلق السماء على عظمها من السعة والكبر والعلوّ والمنافع قدر على الإعادة ، وهذا كقوله تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] ، والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث ، ونظيره قوله تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، والباقون بتحقيقهما ، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام ، والباقون بغير إدخال . وقوله تعالى : بَناها بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء والابتداء بما بعدها وقوله تعالى : رَفَعَ سَمْكَها جملة مفسرة لكيفية البناء ، والسمك الارتفاع أي : جعل مقدارها في سمت العلوّ مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام فَسَوَّاها أي : فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور ، أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك : سوّى فلان أمر فلان . وَأَغْطَشَ أي : أظلم لَيْلَها أي : جعله مظلما بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه ، فصار لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء ، وأضاف الليل إلى السماء لأنّ الليل يكون بغروب الشمس والشمس تضاف إلى السماء . ويقال : نجوم الليل ، لأنّ ظهورها بالليل . وقوله تعالى : وَأَخْرَجَ ضُحاها فيه حذف ، أي : ضحى شمسها ، أو أضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما لأنّ الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوّها ، وإنما عبر عن النهار بالضحى ؛ لأنّ الضحى أكمل أجزاء النهار بالنور والضوء . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي : بعد المذكور كله دَحاها أي : بسطها ومهدها للسكنى وبقية المنافع ، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو فلا معارضة بينها وبين آية فصلت ؛ لأنه خلق